وهبة الزحيلي
333
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
أنفسهم ، وتستدعيه شهواتهم ، فمهما طلبوا وجدوا . كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي ويقال لهم في الآخرة بدليل قوله : بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ على سبيل الإحسان إليهم والتكريم : كلوا أيها المتقون من طيبات الجنة وفواكهها ، واشربوا متهنئين بسبب ما كنتم تعملونه في الدنيا من الأعمال الصالحة . وهذا أمر إكرام ، لا أمر تكليف ، وهذا أيضا من جنس العذاب الروحاني بالنسبة إلى الكافرين حين يرون الذين اتقوا الشرك في النعيم المقيم . إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ أي هذا جزاؤنا لمن أحسن العمل ، ومثل ذلك الجزاء العظيم لهؤلاء المتقين نجزي المحسنين في أعمالهم ، فلا نضيع لهم أجرا ، كما قال تعالى : إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا [ الكهف 18 / 30 ] . وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ أي عذاب وخزي يوم القيامة للمكذبين باللّه ورسله وبما أخبر اللّه من تكريم هؤلاء المتقين في الآخرة ، حيث صاروا في شقاء عظيم ، وصار المؤمنون في نعيم مقيم . وهذا هو النوع الثامن من أنواع تهديد الكفار . ثم خاطب اللّه تعالى المكذبين بيوم الدين ، وأمرهم على سبيل التهديد والوعيد ، فقال : كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا ، إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ أي يقال لهم في الدنيا « 1 » : كلوا من مآكل الحياة ولذائذها ، وتمتعوا بخيراتها زمانا قليلا ، ومدة قصيرة تزول بانتهاء العمر ، ثم تساقون إلى نار جهنم ، فإنكم مشركون باللّه . وهذا إن خوطبوا به في الآخرة توبيخ وتذكير بحالهم السمجة ، وبما جنوا على أنفسهم من إيثار المتاع القليل على النعيم المقيم ، وعلل ذلك بكونهم مجرمين إيعادا لكل مجرم .
--> ( 1 ) البحر المحيط 8 / 408